/ الفَائِدَةُ : ( 3 ) /
14/03/2026
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /عَالَمُ القِيَامَةِ إِمْتِحَانٌ لِطَبَقَاتِ حَقَائِقِ المَخْلُوقِ الصَّاعِدَةِ/ إِنَّ عَالَمَ الدُّنيَا الأُولَى مِضْمَارُ اِبْتِلَاءِ الأَبْدَانِ ، وَعَالَمَ البَرْزَخِ وَالرَّجْعَةِ مَحَكُّ تَمْحِيصِ المَلَكَاتِ وَالصِّفَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ ، وَعَالَمَ القِيَامَةِ إِمْتِحَانٌ لِرُتَبِ العُقُولِ وَالقُلُوبِ وَمَكْنُونَاتِ السَّرَائِرِ . وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ أَحَدُ تَفَاسِيرِ بَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى : [يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ](1) ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ جَنَحَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ "البَلَاءَ" هُنَا بِمَعْنَى الـمُجَازَاةِ عَلَى مَا اِنْطَوَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ ، إِلَّا أَنَّهُ يَسُوغُ القَوْلُ : إِنَّ ذَاتَ يَوْمِ القِيَامَةِ هُوَ مَوْطِنُ اِخْتِبَارِ سَرَائِرِ الخَلَائِقِ ؛ لِيَنْكَشِفَ مَنْ حَسُنَ بِاللهِ ظَنُّهُ مِمَّنْ سَاءَ ، وَمَنْ صَمَدَ رَجَاؤُهُ وَتَوَكُّلُهُ أَمَامَ عَظَمَةِ المَوْقِفِ مِمَّنِ اِنْقَطَعَ ، وَهَلُمَّ جَرًّا. وَتُعَدُّ رُتْبَةُ "السِّرِّ" ـ كَمَا يَسْتَجْلِي عَمِيقَ دَلَالَتِهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ فِي بيان قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾(2) ـ طَبَقَةً وُجُودِيَّةً فِي جَوْهَرِ الرُّوحِ ، هِيَ أَعْلَى مَقَاماً وَأَشْرَفُ مَرْتَبَةً مِنْ طَبَقَةِ "القَلْبِ" . وَتَتَضافَرُ الشَّوَاهِدُ الجَلِيَّةُ فِي مَحْكَمِ الوَحْيِ عَلَى أَنَّ عَالَمَ القِيَامَةِ مَوْطِنُ الِابْتِلَاءِ الأَكْبَرِ ؛ فَهو عَالَمٌ أَمَدُّ بَقَاءً ، وَأَنْفَذُ طَاقَةً ، وَأَشَدُّ تَمْحِيصاً وَبَلَاءً مِنْ نَشْأَةِ الدُّنْيَا الأُولَى ، بَلْ كَأَنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ إِلَّا "رَوْضَةً تَمْهِيدِيَّةً" وَتَوْطِئَةً لِتَدْشِينِ المَعَارِفِ الحَقَّةِ فِي ذَلِكَ العَالَمِ الـمُقْبِلِ ، كَمَا أَنَّ لَهَا أَثَراً بَالِغاً فِي رَسْمِ مَعَالِمِ اسْتِقَامَةِ الإِنْسَانِ وَثَبَاتِهِ فِي ذَلِكَ الِامْتِحَانِ الأَعْظَمِ . وَيَنْجَلِي هَذَا الـمَعْنَى فِي الـمَأْثُورِ عَنْ جِبْرَائِيلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حِينَ خَاطَبَهُ سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِقَوْلِهِ : « يَا جِبْرَائِيلُ : الـمَوْتُ طَامَّةٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا بَعْدَ الـمَوْتِ أَطَمُّ وَأَطَمُّ »(3) ؛ وَفَحْوَى ذَلِكَ : أَنَّ شَدَائِدَ الِامْتِحَانِ ، وَغَيَاهِبَ الفِتْنَةِ ، وَزَلَازِلَ الأَهْوَالِ فِي ذَلِكَ العَالَمِ ، هِيَ أَنْكَى وَأَعْظَمُ شَأْنَاً . وَمِنْ هُنَا جَاءَ التَّنْوِيهُ الرَّبَّانِيُّ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ﴾(4) ، وَقَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾(5) . إِنَّ مَدَارَ التَّرْكِيزِ فِي مَوَاقِفِ القِيَامَةِ وَمَوَاطِنِ الِابْتِلَاءَاتِ الكُبْرَى جَمِيعِهَا ، إِنَّمَا يَنْعَقِدُ عَلَى "القَلْبِ" وَشُؤُونِهِ البَاطِنِيَّةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ طَاقَتَهُ الـمُخْتَزَنَةَ وَوَقْعَ زِلْزَالِهِ أَنْفَذُ أَثَرَاً ، وَأَعْظَمُ هَوْلَاً ، وَأَشَدُّ جَسَامَةً . وَعَلَى هَذَا الـمَعْنَى يُعَوِّلُ بَيَانُ أَمِيرِ الـمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِهِ : « حُكَّامُ يَوْمِ القِيَامَةِ أَعْظَمُ مُلْكاً مِنْ حُكَّامِ دَارِ الدُّنْيَا »(6) ؛ إِذْ تَنْعَقِدُ هُنَاكَ حَقِيقَةُ (يَوْمِ الـمُلْكِ) الصِّرْفِ ، حَيْثُ تَتَبَدَّلُ نَوَامِيسُ الِاقْتِدَارِ وَيَصِيرُ الـمُلْكُ فِيهِ لِلهِ تَعَالَى وَأَوْلِيَائِهِ خَالِصَاً ، فَيَتَجَلَّى حِينَئِذٍ بِأَشَدِّ الـمَرَاتِبِ سَلْطَنَةً ، وَأَقْوَاهَا سُلْطَةً ، وَأَنْفَذِهَا سَطْوَةً . ثُمَّ إِنَّه يَنْبَغِي الْاِلْتِفَات : أَنَّ هَذِهِ الـمَطَالِبَ الـمَعْرِفِيَّةَ الدَّقِيقَةَ ، لَمْ تَقْرَعْ سَمْعَ الـمُتَكَلِّمِينَ ، وَلَمْ يَسْتَنْشِقْ أَرِيجَهَا أَرْبَابُ الفَلْسَفَةِ النَّظَرِيَّةِ ، رَغْمَ فَيَضَانِ نُصُوصِ الوَحْيِ بِحَقَائِقِهَا ؛ فَهِيَ كُنُوزٌ مَذْخُورَةٌ فِي بَيَانَاتِ السَّمَاءِ ، بِيَدَ أَنَّهَا تَنْتَظِرُ البَاحِثَ الـمُتَدَبِّرَ الَّذِي يَمْلِكُ أَدَوَاتِ "اسْتِنْطَاقِ" مَكْنُونَاتِهَا. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الطَّارِقُ : 9 . (2) طه : 7 . (3) (4) النَّازِعَاتُ : 34، 35 . (5) غَافِرٌ : 16 . (6)